ابن عجيبة
344
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوله : ( فإن تولوا ) : فعل ماض مجزوم المحل ، ولم يدغمه البزّى هنا ، على عادته في الماضي ، لعدم موجبه . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لمن يدعى أنه يحب اللّه ولا يتبع رسوله : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ كما زعمتم ، فَاتَّبِعُونِي في أقوالي وأفعالى وأحوالي ، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي : يرضى عنكم ويقربكم إليه ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي : يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب ، فيقربكم من جناب عزه ، ويبوئكم في جوار قدسه ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ، وَالرَّسُولَ فيما يسنه لكم ويرغبكم فيه ، فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عنه ، فقد تعرضوا لمقت اللّه وغضبه بكفرهم به ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي : لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم ، وإنما لم يقل : لا يحبهم ؛ لقصد العموم ، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر ، وأنه برئ من محبة اللّه ، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين . روى أن نصارى نجران قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده ، حبا لله وتعظيما لله . فقال تعالى : ( قل ) يا محمد : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ تعالى فَاتَّبِعُونِي . . . الآية . ولما نزلت الآية قال عبد اللّه بن أبىّ لأصحابه : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة اللّه ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزل قوله تعالى : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية . وقال - عليه الصلاة والسلام - : « من أطاعني فقد أطاع اللّه ، ومن أطاع الإمام فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى اللّه ومن عصى الإمام فقد عصاني » . الإشارة : اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ركن من أركان الطريقة ، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة ، فمن لا اتباع له لا طريق له ، ومن لا طريق له لا وصول له ، قال الشيخ زروق رضي اللّه عنه : ( أصول الطريقة خمسة أشياء : تقوى اللّه في السر والعلانية ، واتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الأقوال والأفعال ، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ، والرجوع إلى اللّه في السراء والضراء ، والرضى عن اللّه في القليل والكثير ) . فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبوّابها ، فمن أتى من بابه ؛ بمحبته واتباعه ، دخل الحضرة ، وسكن فيها ، ومن تنكب عنها طرد وأبعد ، وفي ذلك يقول القائل : وأنت باب اللّه ، أىّ امرئ * وافاه من غيرك لا يدخل وقال في المباحث : تبعه العالم في الأقوال * والعابد الزاهد في الأفعال وفيهما الصّوفىّ في السّباق * لكنّه قد زاد في الأخلاق